العنف في مجلس نواب الشعب….حتى لا يجرفنا التيار

العنف في مجلس نواب الشعب….حتى لا يجرفنا التيار

تحول العنف اللفظي و المادي و أيضا المعنوي إلى مكون من مكونات اشتغال مجلس نواب الشعب في السنتين الأخيرتين. مكون أعاق أداء المجلس و أعطى عنه صورة سيئة ساهمت في تعميق الشعور بالأزمة التي تضغط بقوة على التونسيين و التونسيات. و لكن صفع عضو مجلس نواب الشعب عبير موسي منذ أيام يمثل حدثا فارقا و منعرجا يوحي بأننا ننزلق إلى ما هو أخطر و أسوء إذا لم نوقف التيار. ما أقدم عليه الصحبي صمارة مخجل و مرفوض و مدان و لا يمكن باي حال من الأحوال أن يلفه النسيان أو يقع الصمت عليه. سلوك صادم يقضي على أدنى إمكانية للافتخار بالتجربة التونسية طالما ظل دون حساب و دون الانطلاق في القيام بجملة من التحولات الكبرى في التقييم و السلوك السياسي.
يجب أن يقع الكف عن اعتبار مؤسسات الدولة أداة لخدمة الأهداف و الأغراض الشخصية و لتوفير إمكانية الإفلات من العقاب.
تخليص مؤسسات الدولة من الارتهان للأفراد و الأشخاص هو المدخل الحقيقي لتحول ديمقراطي لا خشية من الارتداد عليه و هو الأرضية المثلى لحوار وطني تتأكد الحاجة إليه و لكن منطق الاستحواذ و الاستئثار هو الذي يفشله قبل أن يبدأ. لا بد أيضا من انتقال في مستوى الخطاب من منطق الإلغاء و الإقصاء إلى منطق القبول بالاختلاف. خطاب الإقصاء يغذي الكراهية و ينمي الأحقاد و هو خطاب غير قابل للتحقق في الواقع إذ لا يمكن بجرة قلم استبعاد قطاعات واسعة من التونسيين و التونسيات من المشاركة السياسية خاصة و أن هذا الأسلوب قد جرب و لم ينجح و كانت تكلفته باهظة على البلاد و على النظام السياسي الذي اعتمده.

و لا يمكن للتعددية السياسية أن تكون عامل إثراء إذا لم يقع الانتقال من اعتبار الانتماء السياسي سبيلا لخدمة أغراض شخصية و تجاوز القانون إلى فرض سلطة القانون على الجميع و التعامل مع المشاركة في الحياة العامة بوصفها نشاطا من أجل الآخرين و تمسكا بكل ما يطور الشعور بالمواطنة و خاصة القانون.

تنامي التوتر و العنف دليل أيضا على خطورة التلاعب بملف المصالحة و العدالة الإنتقالية إلى حد الآن. هذا التلاعب تزداد تكلفته على البلاد في جميع المستويات و لا يمكن أن يستمر. اللحظة فارقة لا تحتمل إلا إنجاز المصالحة الوطنية في أقرب وقت أو امتلاك الشجاعة السياسية و إعلام الجميع أن ملف المصالحة الوطنية قد أغلق و ليتحمل كل طرف مسؤوليته في هذا الملف.

لا يمكن أن أنهي الحديث عن التحولات الضرورية دون الحديث عن العائلة الدستورية التي اعتز بالانتماء إليها و التي تحتاج إلى الانتقال من خطاب التقسيم و التخوين الذي يعتمده البعض أسلوبا لفرض هيمنته و نفوذه إلى أسلوب التجميع على أساس البرنامج و خاصة إدراك أن الدساترة هم حاليا خارج السلطة و يحق لهم أن يتطلعوا إلى تولي السلطة في الاستحقاق القادم و لكن ذلك يمر عبر حشد الطاقات عوض تقسيمها.

الباجي قائد السبسي لم يتمكن من هزم حركة النهضة صدفة سنة 2014 أو بفضل صفاته الشخصية فقط بل لأنه أطلق ديناميكية تقريب و تجميع استوعبت قطاعات واسعة من الدساترة و من إطارات حساسيات أخرى. لا يمكن للانعزال و الانغلاق أن يثمر مشروعا سياسيا ناحجا لأن أقصى ما يمكن أن يحققه هو التحول إلى قوة احتجاج.

و يتوهم من يعتقد أن الديمقراطية لا تعني الدساترة سواء داخل الأحزاب التي ينتمون إليها أو كأداة لتسيير البلاد. الدساترة شرعوا في المطالبة بالديمقراطية و النضال من أجلها منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي حين كان البعض لا يرى حرجا من الدفاع عن الديكتاتورية أو يرفض الديمقراطية برمتها بدعوى أنها بدعة من صنع الغرب.

عبد الرؤوف الخماسي

اترك تعليقاً