“CAMILLE” الفيلم الفرنسي كامي.. النوايا الطيبة لا تكفي دوما..

“CAMILLE” الفيلم الفرنسي كامي.. النوايا الطيبة لا تكفي دوما..

مصعب الشابي-الدار البيضاء

التاريخ: 12 مايو 2014
المكان : طريق جانبي بأحد ادغال مقاطعة جالو قرب مدينة بوار بجمهورية أفريقيا الوسطى
ينزل جندي فرنسي من المدرعة العسكرية، يشق طريقه وسط صراخ جموع غاضبة ومدججة باسلحة تقليدية وسواطير ، يرسل إفادة من خلال جهازه اللاسلكي وعيناه معلقتان بصندوق الشاحنة الخفيفة وهو يقف خلفها مباشرة :
“خمس جثث، اربع أفارقة وواحدة بيضاء”.
هكذا اختار مخرج الفيلم بوريس لوجكين ان ينطلق بفيلمه المستوحى من القصة الواقعية للمصورة الصحفية الفرنسية كامي لوباج [CAMILLE LEPAGE]
28 يناير 1988- 12 مايو 2014
الدور الذي جسدته الممثلة الشابة نينا موريس.
تدور إحداث الفيلم بين سنتي 2013 و 2014 وتروي في 90 دقيقة بيوغرافيا كامي’ مصورة صحفية شابة حملها ايمانها بالقيم ‘ الإنسانية وبعد تربص مهني بجنوب السودان ان تسافر لجمهورية افريقيا الوسطى لتغطية الحرب الأهلية التي بدأت طبولها تقرع إبان انقلاب مسلحي “سيلكا” ذات الأغلبية المسلمة على الرئيس بوزيزيه المدعوم من ميليشيات انتي بالاكا في مارس /آذار 2013 ، الدكتاتور العسكري المسيحي الذي يحكم البلاد منذ 2003 أثر انقلاب طبعا في سلسلة الانقلابات التى لا تنتهي في دولة أفريقيا الوسطى وأفريقيا عموما..
تعجب الشابة الفرنسية سريعا بالبلد وببساطة الناس وطيبتهم وتتعرف على مجموعة من شباب الجامعة في العاصمة بانغي وهم خليط من الأعراق والاديان المتناحرة بينها في المدن والقرى والادغال، شبيبة تحلم بالسلام وتحب الفن والموسيقى تشاركهم الفتاة أحلامهم ومرحهم ويساعدونها على التنقل إلى بؤر الصراع فتوثق بآلة التصوير مسلسلا من أفضع المجازر البشرية وأبشع المآسي الإنسانية من قتل على الهوية وتهجير قسري وحرق ونهب لقرى بأكملها، مشاهد وإن تابعتها الصحافة الدولية في أسابيعها الأولى فسرعان ما وقع التعتيم والتجاهل بعد دخول القوات الفرنسية بتفويض اممي والقيام بحملة عسكرية “ضرورية للمحافظة على كرامة الإنسان” كما قال الرئيس الفرنسي هولاند عشية الأذن بتحرك قواته “شرطي المنطقة الأفريقية الفرنكوفونية”.
تتشابك أحداث الفيلم / القصة وتختلط بمشاعر الحب وقيم العدل وأحلام السلام إلى أن تنتهي من حيث بداية الفيلم وتلقى كامي مصيرها المحتوم في تبادل للنار وهي تتابع إحدى مجموعات انتي بالاكا “الميليشيات المسلحة المسيحية” للرئيس المخلوع..
تاركة أفريقيا الوسطى لصراعها الذي لا ينتهي رغم انتشار قوات أفريقية ودولية مختلفة و قرارات اممية لانهاء الصراع ، حرب لازالت تدور رحاها ومازالت توقع معاهدات السلام فيها و تنقض إلى تاريخ خروج الفيلم في قاعات السينما بسويسرا وفرنسا سنة 2019 وبعده.
يصور الفيلم وهو من إنتاج الشركة الفرنسية (اونيتي برودكشيون) الصراع في أفريقيا الوسطى بالأساس كصراع طائفي، اقلية مسلمة مدعومة بمسلحين من دول الجوار وخاصة تشاد تطيح برئيس مسيحي من الأغلبية الدينية التي حكمت البلاد منذ استقلالها عن فرنسا في 1960، ولكن دون الإشارة ولو تلميحا لسؤال لماذا الآن؟.. بعد أكثر من أربعة عقود من العيش المشترك يستنهض العداء العقدي في هذا البلد الإفريقي بمساحة الشاسعة التي تعادل مساحة فرنسا تقريبا والذي على الرغم من الموارد، الطبيعية الهامة مثل احتياطيات اليورانيوم في «باكوما» والنفط الخام في فاكاغا والذهب والماس والخشب والطاقة المائية،وكذلك الأراضي الصالحة للزراعة، يبقى واحدا من أفقر الدول في العالم وبين أفقر عشرة بلدان في أفريقيا.
تاريخ أفريقيا الوسطى مليء بالانقلابات وحركات التمرد والحكومات الفاسدة والعميلة ولكنه لم ينزل طوال تاريخه إلى دائرة العنف الطائفي من قبل.
يقول الباحث ديفيد سميث، من مركز أوكابي للاستشارات الإعلامية في جوهانسبرغ: “لم تشهد جمهورية أفريقيا الوسطى مواجهات تقوم على أساس ديني،و لم يكن لها وجود قبل ظهور ميليشيات سيليكا.
و لم يوثق الفيلم لتفاصيل ووقائع اساسية لها الأثر الهام لقياس تداعيات الحرب الدائرة مكتفيا دوما و على امتداد السرد الفني بابرازها كصراع طائفي دون أي سبب جلي لذلك، متنكرا للدور الفرنسي في تأجيج القتال والوقوف مع طرف ضد طرف، القوات الفرنسية
التي وصلت سريعا إلى أفريقيا الوسطى وقبل الموافقة الاممية، ودخلت مدينتي بوار، وبربرتي الغنيتين بالألماس والذهب، قبل أن تعلن أن حربا أهلية تجري بين المسلمين والمسيحيين، وأنها ما جاءت إلا لوقف هذا الاحتراب، وأن على المجتمع الدولي دعمها في ذلك.
مغيبا اصل النزاع، الصراع على السلطة والموارد كأحد الأسباب الداخلية القوية لما حدث في أفريقيا الوسطى، إضافة إلى الأطراف الدولية والإقليمية المتورطة من أجل مصالحها ولضمان نفوذها في البلد الأفريقي، وفي مقدمتها فرنسا، المستعمر القديم والوصي الطبيعي على البلاد من خلال ما يعرف وما لم يذكر ولو مرة واحدة خلال السيناريو مخطط “فرانس افريك”.
كانت كامي مثالا لشخصية مراسل الحرب، حماسية حد التهور ورقيقة حد السذاجة
تشرب كثيرا وتدخن السيجارة تلو الأخرى، جذابة و ذكية، لم تتزوج ولم تنجب فهي لم تتجاوز السادسة والعشرين، طموحة ومرحة ومخلصة في عملها، تخيفنا اواسط الفيلم عن مصيرها في لقطة مشبعة إنسانيا، احتجازها من قبل مسلحين هائجين لولا تدخل أحد أصدقائها الجامعي الذي انقلب مقاتلا “يحمل مسدسا” في حرب الكل ضد الكل.. وعملية الاحتجاز والاختطاف هاجس صحافة الحروب الدائم، كثيرون هم الصحفيون الذين اختطفوا عاد بعضهم ولم يعد آخرون.. في 2013 اختفى ستيفن سوتلوف في سوريا وبعد عام قتل بقطع رأسه أمام الكاميرا على يد قتلة الدولة الإسلامية وفي ليبيا اختفى سنة 2014 الصحفيين التونسيين نذير القطاري وسفيان الشورابي على أمل خبر سار بظهورها على قيد الحياة ولو بعد كل هذه السنوات
عرفت سفيان الشورابي أواخر 2008.. صحفيا بجريدة الطريق الجديد ومناضلا بحركة التجديد سليل الحزب الشيوعي التونسي ولقيته مرتين، واحدة بمناسبة حملة المرحوم أحمد إبراهيم لرئاسيات 2009 وبعدها بسنة أثر حملة “سيب صالح” مبادرة الصحفي التونسي أيمن الرزقي احتجاجا على الرقابة التي فرضتها الحكومة التونسية على مواقع الإنترنت ، وحجب الكثير من المدونات الإلكترونية أواخر سنوات حكم زين العابدين بن علي، أذكر أننا تحدثنا في مواضيع كثيرة ولكن شغف سفيان كان دوما سؤالي عن كازامنس ، الهمني الكتابة في كثير من المواضيع وقراءة كثير من الكتب، شعلة من الحب والحركة
تابعته عنكبوتيا في “فردة ولقات اختها” مدونته مع اختها الجميلة لينا بن مهني ، وها أنا في هذه المقالة أشعل شمعتين واحدة لروح لينا وأخرى على أمل عودة سفيان فأحكي له مجددا عن كازامنس..
كازامنس او الأقليم الجنوبي لدولة سينيغال بالغرب الإفريقي سبقت في النزاع المسلح والماسي الإنسانية مناطق أخرى في أفريقيا الحروب اللا نهائية، سافرت إليها شابا أواخر 2003 لدوافع لا تشبه حتما ما دفع كامي لوباج للسفر وممارسة مهنة التصوير الصحفي في مناطق النزاعات المسلحة ولم أكن حاضرا من حسن حظي على عمليات قتل مباشرة، لم تكن معايتني سوى من خلال الشهادات الصادمة، السنة التي قضيت كانت شبيهة بالهدنة وتزامنت مع التحضير لما سيعرف لاحقا باتفاق 30 ديسمبر 2004 بين حركة القوات الديمقراطية لكازامنس بقيادة اوغستين دياناكون والدولة المركزية بقيادة الرئيس عبد الله واد، ولو ان الاتفاق لم ينه النزاع نهائيا ولم يقض على بؤرة التوتر وحلم /وهم الانفصال في الإقليم الا انه حقن كثيرا من الدماء، كثيره الشهادات المفزعة عما صار في كازامنس وحولها
لم تحن لي بعد فرصة الكتابة عما سمعت ووثقت ذهنيا على الاقل من مآسي ذلك الشعب الطيب وما خلفته الحرب من جراح نفسية و قصص مفزعة ومقرفة عما يمكن أن تصنعه أيادي الظالمين في الداخل والخارج
للأسف هي حتما قصص مكررة بعدد بلدان أفريقيا الغنية والفقيرة في ان والغارقة في دماء حروب طائفية وعرقية لا تنتهي
تأخذني وانا اخط انطباعي الشخصي جدا عن الفيلم استدرادات حول السياسة والأخلاق ولكنها لا تنسيني بالتأكيد الإشارة لجمالية الصورة والمؤثرات الديكورية والموسيقية التي كانت حاضرة بقوة في الفيلم باعتبارها المادة الرئيسية مانحة بسخاءإمكانية التفكير والفهم بفضل كثافتها الدلالية وثراءها الرمزي،
يتدرج المخرج أحيانا بالبطلة كامي فيضغط الأحداث ثم يكثفها احيانا أخرى مروية بالصور والموسيقى . الحوار في الفيلم ينهض بمهمة كشف الموقف ودفع الحبكة إلى الأمام. كما يتضح أن للصمت المتكرر والموظف في مقاطع عديدة تعبير أعمق داخل الصورة نفسها يمنحها القدر الكبير من التأثير الدرامي.
هو فيلم على هناته الجيوسياسية من نوع الدراما المرآة، فيه او به نتصارح نحن طيبو العالم، هل مشاعرنا المتضامنة وحدها تكفي ،هل تحتاج أفريقيا كما أماكن كثيرة على هذه الأرض لصلواتنا فقط ؟، هل ان حياة كامي لوباج والعشرات من الصحفيين الذي قضوا في مناطق النزاع ومئات آلاف الضحايا من كل الطوائف والاعراق والذين وان وزعت عليهم بالعدل آلات القتل والنهب والتخريب والتهجير وجمع بينهم الفقر والألم والمعاناة.. في حاجة حقا إلى فيلم يوثق قصصهم الجماعية والفردية..

اترك تعليقاً