هل تُسقط ” النّفايات ” إلياس الفخفاخ…؟

هل تُسقط ” النّفايات ” إلياس الفخفاخ…؟

من السمات التي طبعت المشهد السياسي و الإجتماعي في تونس منذ 14 جانفي 2011 إلى يومنا هذا حضور الإحتجاجات الإجتماعية و بوتيرة مرتفعة و بروز ملف النفايات التي ” أغرقت ” لاسابيع عدة مدن من الجمهورية و كادت تقضي على أهم مظاهر الحياة ذات عام في جزيرة جربة و أيضا ضعف التحالفات السياسية و هو ما أدى إلى تشكل مشهد سياسي لم تغب عنه و لو بدرجات الضبابية و ظاهرة ” النيران الصديقة ” التي أضعفت احزابا و اربكت حكومات. و إذا كانت هذه الظواهر قد أتت في أغلب الأحيان منفردة فإنها قد تساوقت على ما بيدو حاليا لتكون أضلاع مثلث قد ينهي حكومة إلياس الفخفاخ التي لم ” تحتفل ” بعد ببلوغ عتبة المائة يوم الرمزية على توليها مقاليد الأمور. قد يكون البعض من تأثير “نجمة سيئة ” أراد أن تجد حكومة إلياس الفخفاخ نفسها أياما قليلة بعد شروعها في العمل في مواجهة مباشرة مع أزمة غير مسبوقة في تاريخ تونس و العالم و هي التصدي لفيروس الكورونا الذي تحدى الإنسانية.

و من المفارقات في هذا الصدد أن حكومة إلياس الفخفاخ قد حققت انتصارا على هذا الوباء و لكنها عوض تثمينه و “تثميره ” انطلقت في تبديده و كان إلياس الفخفاخ هو “رأس الحربة ” في الهجوم على المكاسب التي حققتها حكومته. الهدف الأول الذي سجله إلياس الفخفاخ في مرماه تمثل في اللقاء الذي نظمه مع “مؤثرين و مؤثرات في شبكة التواصل الاجتماعي ” و لكن طريقة إختيار الضيوف و التسويق للقاء جعلت النتيجة عكسية و زاد صمت “الضيفات ” في الحديث عن اللقاء و في الرد على الانتقادات الحادة التي طالت رئيس الحكومة في تثبيت الهدف. و بيدو أن إلياس الفخفاخ لم يستوعب أن الأخطاء الاتصالية تنجر عنها بالضرورة خسائر سياسية أو أنه من هواة “و داوني بالتي كانت هي الداء ” إذ فتح في حوار تلفزي كان من المفترض أن يكون عاديا ” أبواب جهنم ” على نفسه. فقد استهدف بشكل متسرع الموظفين و المتقاعدين و هددهم في قوتهم و استفز الاتحاد العام التونسي للشغل و تعالى بطريقة لافتة على حركة النهضة و تجاوز ذلك إلى ما هو ” أخطر ” حين أشار إلى أنه في وضعية تضارب مصالح و لكنه استخف بذلك لكأنه صاحب فضل على المجموعة الوطنية إذ لم يطالبها بأن توفر له شغلا بعد إن انتهت تجربة حكومة الترويكا. و هذا الحوار الذي قد يكون المراد منه في هذه النقطة بالذات “إغراق السمكة ” تحول إلى إقرار صريح من رئيس الحكومة على ثبوت شبهة الفساد التي أثارها حوله عضو مجلس نواب الشعب ياسين العياري الذي زاد في وتيرة هجومه و لم تكفه في ما بعد “مبادرة ” إلياس الفخفاخ بالتخلي عن أسهمه في شركة رسكلة النفايات التي تتعامل حصريا مع الدولة دون سواها و الجميع يعلم أن شبهات و شكوك تسود منذ إشراف رياض المؤخر على مقاليد الوزارة حول ملف رسكلة النفايات و الجهات التي تستفيد من اعتمادات هامة تصرفها الدولة لشركات بعينها و من رفض الدولة الانفتاح على تقنيات جديدة حتى يتواصل الاحتكار الفعلي للقطاع.

و مما زاد في إحراج رئيس الحكومة أنه قد تمسك خلال مشاورات تشكيل الحكومة على إفراد قطاع البيئة بوزارة مستقلة بعيدة عن وزارة الشؤون المحلية و على أن تمنح هذه الوزارة لشخصية من حركة “تحيا تونس ” التي ينتمي إليها الوزير الذي أشرف عليها سابقا رياض المؤخر و الذي ترك خلفه عدة نقاط استفهام. و حاليا يجد إلياس الفخفاخ تحت إمكانية إحالة المسألة للقضاء و هو ما يطالب به عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب و من الجمعيات لأنه أخفى نشاطه التجاري و لم يصرح به كما تنص على ذلك آليات مكافحة الفساد . و إذا كان من السابق لأوانه الجزم بإمكانية أن تصل الأمور إلى هذا الحد أم لا فإن ما هو واضح أن سقوط إلياس الفخفاخ في فخ النفايات قد لوث سمعته و أضعف موقعه على أكثر من مستوى و افقده تقريبا الشرعية الأخلاقية خاصة و أن بعض أعضاء حكومته كوزير المالية محمد نزار يعيش قد تولى طوعيا التخلص قبل تولي مهامه الحكومية عن وضعية تضارب المصالح و أن تعميق البحث قد يكشف عن خفايا أخرى في تعاقد الدولة مع الشركة التي يساهم إلياس الفخفاخ في رأسمالها. و لا شك أن وضعية إلياس الفخفاخ ستضعف من وجاهة الحرب التي أعلنتها حكومته ضد الفساد و من الالتفاف الشعبي حولها خاصة و أن تخليه عن أسهمه لم يقنع الكثيرين و لم يساهم في إيقاف هجومات معارضيه بل أحرج أعضاء الحكومة الذين تصدوا للدفاع عنه كمحمد عبو و العياشي الهمامي و اظهرهما بصورة المتخليين عن “مبادىء” و “طهورية ” تمثل العتاد الرئيسي الذي يخوضان به المعترك السياسي. سقطة إلياس الفخفاخ تحرج بكل تأكيد قيس سعيد الذي دافع عن اختياره رئيسا للحكومة بل تعتبره دوائر مقربة من رئيس الجمهورية تجسيدا لفكرة حكومة الرئيس و يذكر الجميع كيف إنتصر قيس سعيد لالياس الفخفاخ أمام راشد الغنوشي في مشهد وقع بثه بطريقة متعمدة .

و لا يمكن لالياس الفخفاخ أن يجد حاليا دعما لا مشروطا من حركة النهضة التي لا يمكن أن تحشر نفسها بشكل علني في زاوية ” التغاضي عن الفساد ” إلا إذا قبل الرجل ببعض شروطها و من أهمها إلحاق حركة قلب تونس بالحكومة و هو أمر يدرك إلياس الفخفاخ أنه سيجعله يخسر دعم رئيس الجمهورية و أيضا حركة الشعب و حركة التيار الديمقراطي و هو ما يعني أن إمكانية تخلي حركة النهضة عن الفخفاخ هي أكبر من إمكانية دعمه لأنها تتخلص بذلك من رئيس حكومة لا يتفاعل معها كما تريد و تصدر أزمة البرلمان و مشاكلها الداخلية التي تضغط على رئيسها راشد الغنوشي من باردو و مونبليزير إلى القصبة و بدرجة أقل قرطاج. و لا يبدو أن الاتحاد العام التونسي للشغل سيكون شديد التحمس لدعم إلياس الفخفاخ خاصة و أن حوار رئيس الحكومة الأخير قد أبرز أن الرجل لا يملك ما يقدم للعمال إلا استهداف أجورهم و لا يحمل في جرابه حلول أخرى للمشاكل الإجتماعية لا تتحمل الطبقات الشعبية تكلفتها الكبرى. و من ناحية أخرى فإن الغموض الذي رافق تصريحات بعض أعضاء الحكومة حول مصادرة الأملاك و فرض ضرائب على الثروات لم يكن مبعث اطمئنان لأصحاب المال و الأعمال.

 

 

هشام الحاجي

اترك تعليقاً