من صفعة السلطة إلى صفعة الآفاق…؟؟؟

من صفعة السلطة إلى صفعة الآفاق…؟؟؟

رسالة إلى منظومة حكم ما بعد 14 التي تقدّم نفسها ثانية و توغل في الإيهام و الوعود… ” لم نعد قادرين على اليأس أكثر ممّا يئسنا ” ( محمود درويش )

شغل ، حرية ، كرامة وطنية

شباب ينشد الموت طواعيّة… إنّه يسير نحو الحتف بثبات حرقا أو شنقا أو رميا في عرض الموج أو بالرصاص و البقية تأتي على عجل. إنّه يشرّع بكلتا يديه أبواب الآفاق الخاصّة و يستعمل موته الخاص ، باعتباره شكل الاحتجاج الأخير على وجود لا يحتفي بوجوده ، و المتهم هنا ليس ” الحياة ” كما هو الشأن في كلّ عمليات الانتحار ، بل هو عشق جنوني لعبق الحياة – و من الحبّ ما قتل – إذ هم من فرط العشق ينتحرون و من فرط كرههم للموت يقدمون بأسا عليه ، و ليس ذلك طلبا للشهادة كما يصدح المؤبّنون لهم و نعوت الأحياء. فهم الجيل الذي ” لا يستشهد ” بل ينتحر مع سبق الإصرار و الترصّد احتجاجا أخيرا و انتصارا للمعشوقة هي الحياة كرامة و نحتا للذّات و إثبات وجود ، ليعلنون نهاية الشهيد بالمعني الديني و يؤسّسون لمفهوم ” المنتحر ” ما بعد الديني و نهاية مفهوم ” شهيد الوطن ” و بدأ مفهوم ” المنتحر ” ما بعد القومي.

فيحدث هؤلاء الشباب المنتحرون القطيعة مع مفهوم المعارك القديمة ، معارك الدين و الوطن و أنّ المفهوم الأخلاقي للانتحار قد تغيّر… إنّه الإقدام على الموت الخاص و استعماله دونما ارتكاز على أيّة آخرة أو وطن…بل فقط على مجرّد طبيعة بشريّة تتشبّث بالحياة. و هذا يؤكّد بشكل مؤلم و صادم أنّ الحصول على الحريّة بعد ” صفعة السلطة ” و ملحمة البوعزيزي التي جسّدت الكرامة الإنسانية بحمولتها الفائقة من ندوب الفاقة و قهر الحاجة و فقدان الطموح و الحلم و الأمل ، لا يكفي كي نشكّل هويتنا و ننحت ذاتنا و نحقّق وجودنا كما نريد ، و الواقع أن اصطدمنا بصخرة ” الدولة ” التي أثبتت عجزها عن تغيير منطق الحكم فمثلت نموذجا و درسا فضيعا عن ” الندم الديمقراطي ” عبر الفصل بين الثورة و الدولة. إذ الثائر ليس هو بالضرورة الحتمية من يحقّ له أن يقود وهذا الثائر الممنوع من الدولة هو ذلك الشاب المنتحر.

فالقطيعة الأخلاقية العميقة بين جيل الكهول الذي صاغ عقله العميق في كنف الدولة- الأمّة الهووية- و التي تحولت من دولة الاستقلال الوطني إلى دولة الحاكم الهووي و الزعيم الدكتاتور و بين جيل الشباب الذي تؤرقه مسائل الحياة أكثر من معارك الأمّة. هي قطيعة تاريخيّة تمّت إساءة تقديرها إلى حدّ الآن من قبل منظومة ما بعد 14 و بشكل مرعب ، إذ أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرّد نزاع بين فئات عمرية أو بين سلطة أبويّة و مراهقة متمرّدة بل هي صدام بين حقبتين ، حقبة الحداثة-نموذج الدولة- الأمّة- و حقبة ما بعد الحداثة- عولمة ما بعد قومية-. فالدولة الحديثة أعلنت إفلاسها و لم يعد لديها ما تقدّمه لهذا الجيل – ما بعد الحديث – و ليس المشكل في كون الدولة الحديثة دولة خاطئة أو سيّئة التنظيم بل كون تاريخ العالم قد تغيّر. فالشباب المنتحر ليسوا عدميون أو فوضويون إلاّ في أعين من هرم سياسة ، و الفوضوي الواقع هو من يريد تدمير منطق الدولة- ما بعد الحداثة- دولة الجيل الأحرص على الدّفاع عن حقّه و حرمة الحياة. و الصادم أنّ المكسب المؤكّد و الأكبر للثورات منذ 2011 هو إعادة تشغيل الآلات القديمة سياسيا و تحويلهم إلى منقذين روحانيين…

و السؤال المشكل: هل قدرنا أن نختار بين المحنّطين و المنتحرين…؟؟؟ لكن ما يطالب به الشباب المنتحر هو الحياة، وهو لا يريد لا السلطة و لا الآخرة بل كلّ ثورته كانت من أجل تأمين الحقّ في الحياة – شغل ، حريّة ، كرامة وطنية – و ردّة الفعل على كلّ الخيبات ترجمت في الإقدام طوعا على الموت تدنيسا و تحويله إلى أداة مريعة شكلا أخيرا من أشكال الاحتجاج الأخير ، فانتحروا صمتا من ثقل السكوت الأخلاقي المطبق حول معاناتهم… و الغضب الساطع أت لا محالة عبر صناديق الديمقراطية و عبر خلق تعبيرات ستنسف كلّ خذلانكم و مربّعات أحزابكم المتكلّسة و المشكّلة من وهم مرجعيات و قصور و فرط أنانية.

” إني اخترتك يا وطني حبا و طواعية

إني اخترتك يا وطني سرا و علانية “.

 

كريم عجمي

اترك تعليقاً