مؤتمر ليلة القدر و الوحدة الوطنية

مؤتمر ليلة القدر و الوحدة الوطنية

لا يمكن أن يمر شهر رمضان و ليلة القدر تحديدا دون أن نستحضر مؤتمر ليلة القدر الذي انعقد في شهر رمضان من سنة 1946 وتحديدا يوم 23 أوت 1946 مباشرة إثر الإفطار. لقد أراد المشرفون على هذا المؤتمر الذي لم يكتب له أن يواصل اشغاله بسبب تدخل قوات الأمن الاستعمارية أن يستغلوا دلالات ليلة القدر من أجل شحذ همم الوطنيين علاوة على إستغلال تداعيات الحرب العالمية الثانية التي انهكت فرنسا و خلقت توازنات دولية جديدة من أجل رفع سقف المطالب الوطنية. سبق هذا المؤتمر تحول الزعيم الحبيب بورقيبة إلى المشرق العربي للتعريف بالقضية التونسية و تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 20 جانفي 1946 ايذانا بدخول لاعب جديد و هام في مسيرة التخلص من الإستعمار الفرنسي. و لم يكن مؤتمر ليلة القدر الذي لعب الزعيم صالح بن يوسف دورا رئيسيا في الإعداد له مؤتمرا للحزب الدستوري الجديد بل يمكن اعتباره أول مؤتمر وطني في تاريخ الممارسة السياسية في تونس الحديثة إذ شارك في اشغاله زيتونيون هم أقرب للحزب الدستوري القديم و نقابيون و يساريون مستقلون و لم يغب عنه إلا الحزب الشيوعي التونسي. و قد سبق مؤتمر ليلة القدر تحرك ازعج السلطات الإستعمارية و تمثل في إتصال قادة الحركة الوطنية بقنصلي بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية و تسليمهما لائحة يطالبون فيها دعم طلب الشعب التونسي في الحصول على الإستقلال الداخلي.

أشغال مؤتمر ليلة القدر الذي لم يدم طويلا احتضنها منزل محمد بن جراد بمنطقة ترنجة و تكون مكتب المؤتمر من د. أحمد بن ميلاد و صالح بن يوسف و صالح فرحات و حضره ثلاثمائة مؤتمر و هو ما يمثل من الناحية العددية رقما مهما و ترأسه القاضي العروسي الحداد الذي ألقى كلمة يحتفظ تاريخ الحركة الوطنية بجملة شهيرة إذ قال ” طيلة مباشرتي لمهمتي القضائية طالبت بإعدام المجرمين و هأنا اليوم أصدر حكمي بالإعدام على نظام الحماية. و تكمن أهمية مؤتمر ليلة القدر في أنه قد شهد للمرة الأولى مطالبة التونسيين و التونسيات بالاستقلال التام إذ رغم اقتحام قوات الأمن الاستعمارية لمقر المؤتمر فإن صالح بن يوسف حرص على أن يردد المؤتمرون خلفه شعار “الإستقلال..الاستقلال…الحرية……الحرية ” و إستطاع الهادي نويرة أن يفلت عبر مدخنة المطبخ إلى السطوح حاملا معه لائحة المؤتمر التي تنص على أن الشعب التونسي انطلاقا مما سجله من إخلال سلطات الحماية خاصة من خلال خلع المنصف باي بتعهداتها و في عجزها عن الدفاع عنه خلال الإنزال النازي بتونس يحق له أن يقرر مصيره بنفسه و أن يكون مستقلا. أوقفت السلطات الإستعمارية خمسين شخصا من الذين حضروا مؤتمر ليلة القدر لتطلق سراحهم بعد أقل من شهر و هو كان دليلا على ارتخاء القبضة القمعية الاستعمارية و حافزا لمزيد التمسك بطلب الإستقلال و النضال من أجله.

اترك تعليقاً