“كان مصر 2019”   حين فرض بورقيبة على عبد الناصر الانسحاب

“كان مصر 2019” حين فرض بورقيبة على عبد الناصر الانسحاب

يصعب الحديث عن مصر المعاصرة دون الاشارة الى جمال عبد الناصر و ثورة الضباط الاحرار . و يصعب ايضا الحديث عن كرة القدم في مصر دون الحديث عن جمال عبد الناصر. فقد ارتبطت كرة القدم منذ ان اكتشفها المصريون و اخذوا يبحثون عن تحويلها الى اداة تحرر من الاستعمار بعالم السياسة و اصبحت محل تفكير السياسيين و لعل هذا ما دفع بالرئيس عبد الفتاح السيسي لان يصرح بان “الرياضة و خاصة كرة القدم هي مسالة امن قومي و ساهتم بهما “.
وحين نجح “الضباط الاحرار ” في التخلص من الحكم الملكي في 23 جزيلية 1952 وجدوا تقاليد راسخة لاهتمام الملك فؤاد و من بعده نجله فاروق بكرة القدم و توجه الحركة الاصلاحية و المناهضة للانتداب الانقليزي لتوظيف كرة القدم من اجل التعبئة ضد الانقليز و العائلة المالكة. و لم يخف محمد نجيب شغفه بكرة القدم و تحمسه لجمعية “الاهلي المصري” و تردد على الملاعب في عدة مناسبات لتشجيع جمعيته بعيدا عن قيود البروتوكول و اكراهاته. و لم يبتعد جمال عبد الناصر حين ابعد محمد نجيب و اخذ مكانه على راس الدولة المصرية عن هذا النخج بل طوره و جعل كرة القدم اداة من ادوات “دولنة المجتمع”.
جمال عبد الناصر كان ايضا من مشجعي ” النادي الاهلي” و لم يكن يخفي هذا الانتماء بل انه تولى منذ سنة 1956 الرئاسة الشرفية لهذا النادي حتى وفاته. و قد اراد من خلال توليه الرئاسة الشرفية للجمعية الاكثر شعبية في مصر و افريقيا و الوطن العربي توسيع قاعدة جماهيريته و ان كان هو قد برر الامر على انه تعبير عن التقدير للدور الذي لعبه “النادي الاهلي” في شحذ الهمم المصرية و دعم الاحساس بالانتماء الوطني لمصر و خاصة في اسناد الجيش المصري بالمتطوعين و عمليات الاغاثة و الاسعاف خلال العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر سنة 1956. و كان جمال عبد الناصر وراء تكليف الفريق عبد المحسن كامل مرتجي و هو احد قادة ثورة يوليو رئيسا للنادي الاهلي في الفترة المتراوحة بيم 1956 و 1967. و منذ سنة 1955 اعتبر جمال عبد الناصر ان الجمعيات الرياضية مدعوة للاسهام في جهود تسليح الجيش المصري و هو ما استجاب له الاتحاد المصري لكرة القدم و ابرز الاندية المصرية كالزمالك و الاهلي و الاتحاد الاسكندري و النادي المصري.
و قد تولى المشير عبد الحكيم عامر المثير الى حد الان للجدل رئاسة الاتحاد المصري لكرة القدم و هو ما يمثل دليلا اخر على الاهمية التي كانت تمثلها كرة القدم في نظام الرئيس جمال عبد الناصر الذي يعتبر البعض انه لم يكن بعيدا عن فكرة بعث البطولة الافريقية للامم لان عبد العزيز سالم الذي كان من المبادرين بتكريس الفكرة خلال لقاء بمدينة لشبونة على هامش اجتماع الفيفا هو من المقربين من جمال عبد الناصر . الاجتماع حضره عبد العزيز سالم بوصفه رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم الى جانب رؤساء اتحادات الكرة بكل من السودان و اثيوبيا و جنوب افريقيا. و قد تولى عبد العزيز سالم رئاسة الاتحاد الافريقي لكرة القدم و دعمه جمال عبد الناصر بان منح الاتحاد قطعة ارض في منطقة راقية في القاهرة ليشيد فوقها مقر “الكاف” و هو ما ساهم في دعم النفوذ المصري على كرة القدم الافريقية. و لم تتغيب مصر زمن حكم جمال عبد الناصر عن الادوار النهائية لبطولة افريقيا لكرة القدم الا في مناسبتين . المناسبة الاولى في دورة تونس سنة 1965 و التي تزامنت مع احتدام المواجهة السياسية و الاعلامية بين القاهرة و تونس على خلفية زبارة الرئيس الحبيب بورقيبة لاريحا و ما تزامن مع هذه الزيارة من ملابسات و ما تضمنته من مواقف و تصريحات.  و قد اتخذ جمال عبد الناصر شخصيا قرار عدم مشاركة المنتخب المصري . و اما المناسبة الثانية فكانت سنة 1968 لان جمال عبد الناصر اتخذ يعد هزيمة جوان 1967 قرارا بايقاف النشاط الرياضي و هو القرار الذي بقي ساري المفعول طيلة سنة 1968 و اثار الكثير من ردزد الفعل اذ اعتبره البعض بحثا عن كبش فداء لابعاد الاعين عن الاسباب الحقيقية للهزيمة بل ان نجيب محفوظ قد اعتبر في رواية “ميرامار ” ان سياسات عبد الناصر التي جعلت من لاعبي كرة القدم نجوما و فتخت امامهم ابواب الثراء و توجيه الراي العام من اجل تهميش المثقفين هي من بين اهم اسباب الهزيمة.
هشام الحاجي

اترك تعليقاً