في ذكرى وفاته…يصعب الإلتفاف على تراث الباجي قائد السبسي أو السطو عليه

في ذكرى وفاته…يصعب الإلتفاف على تراث الباجي قائد السبسي أو السطو عليه

تشاء الأحداث المتسارعة أن تؤكد مرة أخرى قيمة الدور السياسي الوطني الذي اضطلع به الباجي قائد السبسي -طيب الله ثراه – عبر مسيرته السياسية التي امتدت على عقود و خاصة في السنوات التي أعقبت 14 جانفي 2011. و لا شك أن تزامن مرور عام على وفاته مع تعيشه تونس حاليا من ارتباك شامل و تخوف معمم من المستقبل يزيد ذكراه توهجا و يدعو لاستحضار أهم إسهامات رجل دخل تاريخ تونس من أوسع أبوابه. سيتهافت من تخلوا عنه في أدق الظروف لمحاولة مواصلة الاستيلاء على ارثه و هو أمر لم نعد نستغرب منه لأن بعضهم لم يكن إلا نسيا منسيا دون الباجي قائد السبسي و سيواصل البعض الآخر ما تخصص به من محاولات سطو متواصلة على حركة نداء تونس. هذه المحاولات المدانة أخلاقيا لا يمكن بأي حال أن تربك الأوفياء حقيقة للباجي قائد السبسي لأن أصحابها لم يستوعبوا القيم التي إستند إليها الباجي قائد السبسي في مسيرته السياسية تماما كما لم يستوعب خصومه و بشكل خاص حركة النهضة نبل الباجي قائد السبسي الذي دافع بشدة عن التوافق للحفاظ على التوازنات الهشة التي إنبنى عليها النظام السياسي و لتجنب الإنزلاق إلى العنف.

تجد حركة النهضة نفسها اليوم في وضعية لا تحسد عليها لعدة أسباب لعل من أهمها عدم إدراكها للخطوات التي قام بها الباجي قائد السبسي تجاهها و التي لو قابلتها بمثلها لكانت بلادنا أغلقت بنجاح مرحلة الانتقال الديموقراطي لأنه لا يمكن إرساء نظام ديمقراطي دون ثقة متبادلة بين أهم مكونات المشهد السياسي و هو ما غفلت عنه حركة النهضة التي لم تفكر إلا في وضع اليد على السلطة. و إذا كان من الصعب الإتيان في أسطر قليلة على أهم ما ميز مرور الباجي قائد السبسي في الحياة السياسية التونسية فإنه من الممكن استحضار أهم القيم التي استند إليها الراحل العزيز.

الباجي قائد السبسي يعلي من شأن الوطنية و يرفض كل أشكال التدخل الخارجي في الشأن الوطني و هو ما جعله لا ينخرط في نهايات حكم الرئيس الزعيم الحبيب بورقيبة في مؤامرات القصر التي رعتها السفارات و الدول الكبرى ليصل إلى رئاسة الجمهورية لأنه يدرك أن ذلك يمثل استهانة بتونس و استخفافا بنضال شعبها. و إيمان الباجي قائد السبسي بتونس و شعبها هو الذي جعله يرفض بعد توليه رئاسة الجمهورية زج تونس في لعبة المحاور الإقليمية رغم الإغراءات التي قدمت له و الضغوط التي تعرض لها من بعض الدول و من بعض المحيطين به من أصحاب “المشروع” المستهين بتونس و تاريخها.

الباجي قائد السبسي كان مؤمنا أيضا بضرورة إحترام الإرادة الشعبية حتى و إن كان مختلفا مع بعض مضامينها و هو ما تجلى في انخراطه في إنجاح إنتخابات المجلس الوطني التأسيسي رغم أنه كان ضد التخلي بشكل كامل عن دستور 1959. و الباجي قائد السبسي كان يحترم المؤسسات و لهذا رفض أن يتحول إعتصام الرحيل إلى محاولة لاقتحام مبنى المجلس لأنه لا ديمقراطية دون إحترام رمزية المؤسسات. و الباجي قائد السبسي كان رجل بناء و تجميع و هو ما جعله ينجح في بناء حركة نداء تونس في وقت وجيز و في تغيير ملامح معادلة سياسية تكهن الكثيرون أنها ستدوم طويلا….

الباجي قائد السبسي هو بإختصار مكمل ما بدأه الرئيس الحبيب بورقيبة و هو من الناحية السياسية ” البذرة الطيبة ” التي أثمرت إسهاما متميزا في الانتقال الديمقراطي و تأكيدا على أهمية الحريات العامة و الحقوق الأساسية و التي يصعب استنساخها من الناحية السياسية لأن الإنتساب للحبيب بورقيبة ليس متاحا لأي كان و لأن الإرث السياسي البورقيبي عصي عن المغامرين و المتطرفين مهما كانت الشعارات التي يرفعونها.

 

 

عبد الرؤوف الخماسي

اترك تعليقاً