حديث في العولمة

حديث في العولمة

تذكرة إلى الإنسانيّ فينا…؟؟؟
” مازال العالم مقيّدا لأنّه لم يتخلّ عن كلمة أنا ”
( بوذا )

إنّ العولمة أو ” النظام العالمي الجديد “، في مفهومها المبسّط، هي عبارة عن آلية سياسيّة واقتصاديّة وثقافية، جعلت من العالم قرية صغيرة، فانتفت كلّ الحدود والحواجز. أوهي حالة من الاندماج والانصهار العالميّ بين مجموعة من العناصر والمكوّنات المتنوّعة المتباينة فيما بينها في جوانب كثيرة. ولقد استبشر العديد من المختصّين والخبراء والمثقّفين هذا النظام الجديد الذي يشرّع الأبواب على مصراعيها لانفتاح الشعوب والدول على بعضها، والنهل والانتفاع من المشترك الإنساني على جميع المستويات الاقتصاديّة والسياسيّة والعلميّة والثقافيّة…قصد تحقيق السلام والرفاهية للإنسانية جمعاء، وقف هدر الإنسان للإنسان، بسبب جهله وعزلته عن أخيه الإنسان، والقطع مع موروث استغلاله واستعباده.
إلاّ أنّ هذا الحلم في العدل والمساواة وتحقيق تذكرة إلى الإنسانية، تحوّل إلى أداة بيد القوي العالميّة للسيطرة الاقتصاديّة على العالم وتوظيف كلّ قدراتها العسكريّة لفرض سيطرتها على دول العالم الضعيفة، وابتزازها ونسف كلّ تاريخها وهوياتها الثقافية…فاتّسعت الفوارق وتضاعفت معاناة بعض الشعوب وتعمّقت درجات الاستغلال إلى أن بلغت تهديد كلّ الوجود، فكان كلّ الخذلان و شرّع المستعمر الجديد كلّ أبواب الاستغلال، وشرّعت الشعوب المستهدفة كلّ أبواب الغضب.

جنّ جنون العالم…
عاصمة الأنوار، باريس تدمّر و تحترق،و قبلها سحل العقيد معمّر ألقذافي بتلك الوحشيّة، وفي ليبيا و العراق وسوريا القاتل ذبحا يكبّر باسم الله، والعنقه ممدودة، يشهّد ” لا إله إلاّ الله محمّدا رسول الله “،ومفتي الناتو يحلّل ويشرّع ” جهاد النكاح ” و مغريات حور العين تذهب لبّ عقل الحاقد، الجاهل، و سرطان الشرق من تحت العمائم يوسوس، انسف حضارتك أيّها العربيّ ودمّر أخاك، و مهوس بخلافة منسيّة يوغل في الفتنة ويتاجر بالأعضاء البشريّة والأعراض والدم الأحمر ويختلس الذهب الأسود، و خزندار العالم يجوب ويزمجر ويجمع الجزية من عائدات الشيطان رجما بالجمرات، وشاب من هناك والإصبع على الزرّ النوويّ يتوعّد، أطفال بورما واليمن، وطفل فلسطين الجريحة يلد، الفمّ في النهد يرضع الكبرياء والحريّة وفي كلتا اليدين حجر…

جنّ جنون العالم وقد تنبّأ العالم “ستيفن هوكينج” بنهايته، عذرا للمعرّي “لا إمام سوى العقل”،لقد جنّ جنون العالم، وصدق الفيلسوف “هوبز”بقوله “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”.

وما الوطن في هذا العالم القرية إلاّ نقطة، ولكنّها تمرّدت و أشكل عليها أن تستقرّ وفاء وصدقا حيث “باء” الحبّ للوطن وللنّشيد وللعلم، كما أشكل عليها أن تمكث حيث “باء” الحرب وتحسم، وراقت لها “باء” العبث وفاء الفوضى.
والنتيجة هدر واستنزاف لكلّ الوطن، ونخر في كلّ صروح الأمجاد، والكلّ شعاره فرط خذلان و أنانية و تضخّم ذات “إن مت ظمأنا فلا نزل القطر”، والكلّ تخرّج من الأكاديميّة “البوشيّة” متبنيا لنظريّة “إن لم تكن معي فأنت ضدّي”.
الشعب ينزف ويئنّ، والعدوى استبدّت كلّ من بيده سلطة، لقد بات للكرامة صندوقا ينسف قيمة العمل ونبل الجهد، وبات لكلّ قطاع فارس همام، يعتلي أعناق من يحمله ويصدح، نحن القدوة ونحن الفضل وما كنتم لولانا، طرقات تتعطّل ومستشفيات وإدارات يتمّ السطو عليها وتغلق…تنتفي في حضرة الحاكم المتعدّد والثورجيّ الهوويّ المتغطرس كلّ الأحاسيس والقيم والاعتباريّ وفخر الانتماء والرّشد والعقل…وكلّ المقصد تحقيق غاية ماديّة تحت عنوان الفاقة وتهتّك صاحب العيال، وما الوطن إلاّ غنيمة لمن يسبق.

وبات من العسير إيجاد قاعدة أخلاقيّة عامّة للسّلوك، وتأكّد أنّ القوّة ليست هي الأخلاق، وأنّ حال الطبيعة البشريّة ليست هي حالة الثقافة.
ونتيجة لكلّ هذا العبث، لابدّ للعقل أن يتدخّل، إن توفّرت الإرادة السياسيّة، لوقف هذا النزيف ووضع حدّ لكلّ هذه الفوضى، والكفّ عن السلوك الأنانيّ المتغطرس والارتقاء إلى سلوك إنسانيّ مدنيّ متحضّر كما صدح الشهيد الرمز شكري بلعيد.
إنّها تونس أيّها المواطنات والمواطنون، المضربات والمضربون، والمعتصمات والمغتصبون، والحاجبات والحاجبون… إنّها تونس أيّها السّاسة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

 

كريم عجمي

اترك تعليقاً