حديث في الثورة : الأسطوريّ الذي أشكل عليهم…؟؟؟

حديث في الثورة : الأسطوريّ الذي أشكل عليهم…؟؟؟

 أضلعي امتدت لهم جسرا وطيد من كهوف الشرق من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد ”
( خليل حاوي )

خارج مخابر النظام العالمي الجديد، ومخطّطات العولمة، وبمنأى عن كواليس الحكم ودسائس القوى المالية، والمرتزقة الحاقدين، وبعيدا عن ترف العيش وثقافة المؤرّخين والخبراء وكلّ المثقّفين…
نشـأ طفل في ولاية سيدي بوزيد، شأنه شأن كلّ الملتحقين بصرخة الحياة في الربوع المنسيّة، صلب نظام سياسيّ لا يأبه بمفهوم العدالة الاجتماعيّة…
طفل، اشتدّ عوده وانطلقت ملاحم صراع بقائه وكنه وجوده، انقطع عن الدرس مبكّرا، عدد من ثلاثمائة من المنقطعين يوميا، ولا أحد يهتم ويهلع لهول الأمر. وعلّه قد فعل بعد أن اطّلع على الدرس الأوّل في الفلسفة ” الطبيعة و الثقافة “، فانتصر للطبيعة، واختار أن يسلك درب صراع “البقاء” في عالم لا يحتفي بوجوده. هو خيار من لا خيار له من بين آلاف المهمّشين…
شاب كادح، شامخ، يبتاع كرامته، بجهد جهيد ليدافع كبرياء عن حقه في الوجود، ملاليم قد تسد الرمق وقد تعجز، ولكنه شامخ منتصب على قارعة الطريق، رصيده من النظام العالمي الجديد “برويطة” و”بصكولة”، ميزان لم ينصفه يوما، يزن به قسطاطا كبرياءه، وعند التصادم مع غطرسة السلطة للسطو على”بصكولة” كلّ الوجود والعدل والكبرياء، كانت تلك الصفعة رمزيا عبارة عن”براق”عرج به خلال ثوان بين تذكرتي العدم والخلود، لم يسمح له العقل من هول فعل طعن الكبرياء من بين الضلوع بأن يعربد أو يغلق طريقا أو مؤسسة أو يطالب بعمل قار أو بصندوق للكرامة، فهو الواحد من تلك الربوع، المعدم، المعزول، لا حزب يجير،و لا منظّمة تدافع… فكان أن تجاوزت ردّة فعله كل الحدود، زلزلت أركان كلّ الوجود، فعوّض وسائل إنتاجه الخاصّة، بقارورة بنزين وعود ثقاب، ضغط بكفّ اليسرى على نزيف جرح كلّ الكادحات والكادحين، وباليمنى لم يضمر الشر لأحد، شأن ما يأتيه المنفجر، بل أضرم النار في الروح قبل الجسد، انتصارا لكبرياء كنه الحياة، وقبل أن تلتهب في روحه، قد أشعلها في قوائم عرش الحاكم وفي كل وسائل قمعه. وهزّ أركان كل النظام ليشرّع لنا بكلتا يديه آفاق الشغل و الحريّة والكرامة الوطنيّة.
ملحمة شاب من الربوع المنسيّة، لخّصت سردية كلّ أساطير الأوّلين، وما أتاه الجبابرة وتفوّق عليها جميعا. إذ تجاوز إرادة ” سيزيف ” و عبثيته في آن وحسم في أمر الهدر وشرّع أبواب الفعل الجبّار واقعا، وتجاوز ” أنانية أسطورة ” طائر الفينيق “، ذلك الكائن الذي يحترق ليبعث هو من جديد، بل أضرم النار في نفسه ليكون قربان حرّيتنا نحن، وتجاوز فعل الشاعر الإغريقي ” هوميروس ” الذي سرق النار المقدّسة من عند ” زيوس ” ووهبها للبشر، فلم يسرق النار، كشأن تأمين قوته، بل اخترعها شعلة في دروب الإنساني فينا، صرح حرية و كل القيم الإنسانية. أيها اللاعنون للبوعزيزي في كل ذكرى لثورة الحرائر و الأحرار، الشامتون لما نحن فيه من هدم و عبث و خذلان… لقد أشكلت عليكم الملحمة، لتمنحوا عظيم المنجز، واقعيا و رمزيا إلى فاعلين من خارج الحدود، و حول الساسة ” البطل ” الملحمي إلى ضحية و حشره أدعياء الإختصاص في زاوية اللعنة و لخصوا كل المنجز في ثنائية ” بصكولة و صفع “. ما خذلنا فعله الذي ترجم كل صرخاتنا بترنيمة ملحمية، شرع من خلالها أبواب التاريخ و الجغرافيا و خلد ” أسطورة ” ذكراه و كل الشهداء بعدا، و لكن خذلنا نكران الجميل فينا، لحظة وأد المنجز و القبول بأحد عناوين النظام الفار ، و استقبال المطلوبين للعادلة هدما و تفجيرا و عمالة و خيانة…من المنصة الشرفية و على السجاد الأحمر ، و الصمت جبنا عن صروح وطن معروضة من مرتزقة في مزاد للعلن. ذلك الأسطوري صدح فينا ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان “، فتنافسنا من يغنم أكثر…؟ خذلنا الساسة شنيعا، سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و حقوقيا… هذا التشخيص علنا نفلح في تعديل البوصلة من جديد و ننقذ ما تبقي من صروح وطن طالت استغاثته و تواصل نزيفه من هول خراب المرتزقة و التافهين. و” على قدر أهل العزم تأتي العزائم و تأتي على قدر الكرام المكارم و تصغر في عين العظيم العظائم و تعظم في عين الصغير صغارها “.

 

 

كريم عجمي

اترك تعليقاً