تونس و تحديات الكورونا

تونس و تحديات الكورونا

يبقى شهر رمضان شهرا “إستثنائيا ” بكل المقاييس لأنه الاقدر من خلال فريضة الصيام على إعلاء جانب القيم و التسامي لدى الإنسان. و لا شك أن ظروف رمضان هذا العام تزيده تفردا إذ نستقبله و نحن نخوض مع كل سكان الكرة الإرضية حربا غير معهودة و غير مسبوقة مع فيروس الكورونا الذي أربك حسابات الجميع و فرض على الإنسانية اعادة النظر في ادق تفاصيل حياتها و التخلي – و لو الى حين – عن مكاسب إجتماعية و عن حقوق سياسية و اقتصادية بل ان ارتداء الكمامات و فرض قاعدة التباعد الاجتماعي في الفضاء العمومي و هو فرض قد يتواصل لسنوات سيؤدي الى تغييرات في الاسس التي تحكم العلاقات الاجتماعية و التصرف في الفضاء و هو ما ستكون له بكل تاكيد انعكاساته السياسية و الاقتصادية و الثقافية.

و ليس هذا ما يعنينا بالدرجة الاولى لأن الإحساس بالمسؤولية السياسية في معانيها السامية يحثنا على التفاعل مع التحديات السياسية التي فرضتها جائحة الكورونا على الطبقة السياسية و تحديدا على الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم و التي تتحمل مسؤولية إدارة الشأن العام و ذلك من منطلق التناسق في المواقف و المقاربة لأن حركة “نداء تونس” تشارك في الحكومة الحالية و لأنها إختارت منذ ان اسسها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي التخلي عن المزايدات اللفظية و “العنتريات ” الايديولوجية و توجهت نحو تغليب المصلحة العامة و توسيع قاعدة التوافق الوطني و بناء الدولة الديمقراطية التي تمثل امتدادا للدولة الوطنية التي اسسها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة . و هذه المرجعية لا نذكر فيها لمجرد التذكير بل لأنها تمنحنا القدرة على إبراز قيم نحن في أمسّ الحاجة الى اعادة التذكير بها في هذا الظرف العصيب الذي نجتازه. تحتاج تونس من اجل النجاح في حربها ضد الكورونا الى إستحضار أهمية الوحدة الوطنية بين كل ابنائها و بناتها.

ذلك ان مشاعر الخوف من الوباء و “الغضب ” من غياب الخدمات او ضعفها قد يفتح بابا تتسرب منه النعرات الفئوية و الجهوية التي تمثل تهديدا للتماسك الوطني . و اذا كان التحلي بالموضوعية يفرض الاشارة الى ايجابية المواقف التي اتخذها في هذا الصدد الاتحاد العام التونسي للشغل و الاتحاد التونسي للصناعة و التجارة و الصناعات التقليدية من اجل تكريس قاعدة التضحيات المتبادلة فان الحكومة مدعوة من ناحيتها لان تكرس في مستوى عملها منطق التضامن الحكومي بوصفه ارقى من الاعتبارات الحزبية او الحسابات الشخصية لان ما قد يتسرب من معطيات حول امكانية انقسام حكومي لاي سبب من الاسباب و مهما كان حجمه لا يمكن الا ان ينعكس سلبيا على معنويات المواطنين و المواطنات . و بقدر ما نعتبر ان رجال الاعمال التونسيين هم ارقى من ان يرفضوا الانخراط الفاعل في التصدي للوباء و لتداعياته فانه من المهم ان توجه الحكومة اشارات ثثمين لهذ الجهد و طمانة للمبادرين الخواص على مستقبلهم و مكانتهم و على ان اعادة النظر في الاولويات الوطنية لن تكون على حساب رجال الاعمال الذين يحترمون القانون و يؤمنون بمسؤوليتهم الاجتماعية.

و إعادة النظر في الأولويات تحيل الى مكاسب دولة الإستقلال المتمثلة أساسا في النهوض بالصحة و التعليم و لا بد من رد الاعتبار لهذين القطاعين و من الإستثمار أكثر في التعليم و الصحة العموميين مع المراهنة ايضا على الاسثمار في صناعة الذكاء و تكنولوجيا الاتصال . و لا يمكن الاقتصار حاليا على المواجهة الانية لوباء الكورونا دون التفكير في المرحلة الموالية و التي تمر في اعتقادنا عبر اعادة التفكير في علاقات تونس الخارجية و في دور التونسيين بالخارج. ذلك أن عالما اخر قد اخذ في التشكل و من الضروري استباقه و التموقع فيه في اسرع وقت و اذا كان تحديد ملامحه يتجاوز قدرة شخص بمفرده فان ما اشير اليه في هذا المستوى هو ضرورة التركيز على التحولات الاقتصادية و الاجتماعية التي ستطرا على دول اوروبا و حوض البحر الابيض المتوسط و محاولة الاستجابة لهذه التحولات من الناحية الاقتصادية.

و اما التونسيون بالخارج فانهم يمثلون مكونا اساسيا من مكونات المجتمع التونسي و سيكون لهم اسهامهم في دعم جهود تعبئة الموارد المالية و اعادة الدورة الاقتصادية و هم احوج ما يكون حاليا الى ان تضاعف الحكومة مبادراتها في الاحاطة المادية و المعنوية بهم في هذا الظرف الدقيق خاصة و ان بعضهم و خاصة من الشباب و ذوي الوضعيات القانونية و الاجتماعية الهشة قد تاثروا سلبيا من تداعيات الكورونا.

 

عبد الرؤوف الخماسي

اترك تعليقاً