تعقّلوا قبل فوات الأوان

تعقّلوا قبل فوات الأوان

لا يمكن لأي شخص يمتلك الحد الأدنى من الخوف على تونس و الحرص على سلامتها و سلامة شعبها أن لا يشعر بالانزعاج من الحاضر و الخوف على المستقبل. ذلك أن كل المؤشرات تنحو نحو الأحمر القاني و اللون الأسود. الوضع الإجتماعي متأزم و زادته الكورونا تأزما و من المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة تزايد أعداد العاطلين عن العمل و اتساع دائرة الفقراء.

و تتواصل التحركات الإحتجاجية التي لا تملك الحكومة من حل لمواجهتها إلا اغداق وعود لا تتحقق أو ترك المحتجين الذين قد يتجاوزون أحيانا القانون في مواجهة ما أصبح يسمى ” الاستعمال المفرط للقوة ” و هو ما يعني التأسيس لقطيعة مع الشباب و تعميق الفجوة مع عدة جهات. و هناك انتشار لافت لما يمكن اعتباره ” ثقافة الإنتقام و التشفي ” التي تنسف المواطنة و تهدد دولة القانون و تطلق العنان للعنف الرمزي الذي يمكن أن ينزلق في أي وقت إلى عنف حقيقي. و يضاف إلى ذلك غرق الطبقة السياسية في تحسين مواقعها و تصفية الحسابات في ما بينها و هو ما زاد في تدعيم ” سياسة الكواليس ” التي لا تفيد المواطن و تحول الممارسة السياسية إلى ممارسة قريبة من ممارسة الخارجين عن القانون و الذين يوظفون كل الوسائل لتصفية حساباتهم. لقد أغرقت كل هذه المعطيات البلاد في أزمة ثقة الكل من الكل. ذلك أن المواطن فقد الثقة في المستقبل و في القضاء و الصحة و التعليم و انعدمت تقته في السياسيين الذين لا يملك أي واحد منهم ذرة من الثقة في الآخرين و هو ما أضعف الأحزاب و المؤسسات. و لم تخلق هذه الوضعية إلا فقدان الآخرين الثقة فينا و هو ما انعكس على الإستثمار الخارجي و يبدو أن ” نفور ” المستثمرين الأجانب في بلادنا سيتواصل للأسف. و مما يزيد المخاوف التصريحات التي تبدو أحيانا غير محسوبة أو متسرعة من بعض الشخصيات المؤثرة بحكم موقعها في الرأي العام. لقد ” تطاول ” رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بتلك العبارة المستفزة التي أطلقها من أعلى منبر مجلس نواب الشعب و التي تنسف تاريخ هذه المؤسسة و تمثل تحديا لكل التونسيين و لم يسبق في تاريخ تونس المستقلة أن أطلق مسؤول في رتبته عبارة بهذه الدرجة من السوقية و التعالي.

و إذا كانت المقارنة لا تجوز و ذلك بالنظر إلى الدور التاريخي للإتحاد العام التونسي للشغل فإن “ضغط ” الأمين العام نورالدين الطبوبي انطلاقا من مدينة صفاقس على القضاء و على مجلس نواب الشعب الذي هدد بالزحف عليه يعمق المخاوف خاصة و أن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أحرز على جائزة نوبل للسلام يمثل عنصر الإستقرار و أحد عناوين التعقل و الحوار و قد إستطاع دائما أن يوفق في الدفاع عن العمال و البلاد و دعم الإستقرار و هذا هو المطلوب منه اليوم حتى نجنب بلادنا الانزلاق نحو العنف و الفوضى و المجهول لأنه بقدر ما يسهل الوقوع في هذا المستنقع بقدر ما يصعب الخروج منه….الحوار ضروري و متأكد و لا بد من الإنطلاق فيه للخروج في أسرع وقت من الوضع الحالي…وضع التوتر و الجمود و التفكك المنذر بكل المخاطر.

 

عبد الرؤوف الخماسي

اترك تعليقاً