تذكرة إلى الإنساني فينا زمن الكورونا و ما بعدها.

تذكرة إلى الإنساني فينا زمن الكورونا و ما بعدها.

تذكرة إلى الإنساني فينا كنت و خصب الأرض و جود السماء نلعب في الشرفة طفلان، نهرول و نقهقه تحديا للحجر و تحررا من هوس الهلع من غول الكورونا، شد انتباهي انتظام سير ” الميترو الخفيف ” ذهابا و إيابا، كان مواظبا و هادئا و شاغرا…حرا طليقا يطوي المكان و الزمان حثيثا….و من حيث لا أدري استبد بي الحنين إلى شارع الحبيب بورقيبة، و بدون مقدمات اعتذرت من يحيى و تناسيت الحضر الصحي و كابوس مشاهد حشود البريد بالأمس. و في لحظات كانت التذكرة بيدي في انتظار ذلك الحر الذي أغواني. صعدت حريصا على عدم لمس شيئا و اتخذت مقعدا في الركن و قد عقمته مسبقا. كل الوجوه في اتجاه النوافذ و كأن الفضاء الداخلي يرعبها و كل الأجساد مستنفرة متوجسة و كل العيون تائهة و كأنها لا تعلم وجهتها….

 

و في المحطة الموالية و مع توقف الحر الطليق زمن الحجر، صعد ثلاثيني حيث المجرورة التي اخترتها على أساس قلة ” التائهين ” فيها… كان فارعا و أنيقا و بهي الطلعة، تنبعث من محياه غبطة حلت معها سكينة بددت وحشة كل الفضاء و شدت إليها كل العابرين، توسط المجرورة شامخا دون أن يستند إلى شيء و تصفحت عيناه كل الوجوه الواجمة، و دون مقدمات نطق برفق ” جندي يحميه و طبيب يداويه و فلاح يغذيه و معلم يبذل العمر ليبذر فيه القيم الكونية و عامل نظافة ينقذه من الكوارث البيئية بلا كلل و ملل ” و هو يبتسم غبطة و عزة و تحديا و عبرة…. فألقى بي إلى أتون الزمن الأول و تذكرت المعلم الذي علمني أول حرف و رقم ( السيد مختار النمري ) و تذكرت ملحمة 7 مارس و صدح أحد البواسل ” الله أكبر….تحيا تونس ” و المواطن يسنده بحجر و تذكرت الطبيب الذي أسعفني إثر حادث و غيبوبة طالت لأيام معدودة و تذكرت شموخ و كرم آخر فلاح قابلت، عرقه وهو يسقي الأرض و يداه التي مدت الفأس غبطة ليحيى ليناله شرف البذر في الأرض، و تذكرت تلك السيدة العظيمة، عاملة النظافة المجندة حيث الشارع الذي أقطن و التي لا تفارقها الابتسامة و المواظبة على المبادرة بصباح الخير و السلام و تصبح على خير مع كل العابرين…. تزاحمت الصور و تدافعت الذكريات و غمرتني رائحة الطباشير و الأدوية و فاضت عينايا من منطوق أبو الشهيدة الملائكة سارة ” بلادي قبل أولادي… و وطني قبل بطني ” و غزاني شذى أديم الأرض و عززت تشبثي بالحياة ابتسامة عاملة النظافة….

فبددت كل المشاعر وحشتي، تنفست الصعداء و قلت لقد خاب ظني، فليس الميترو من حررني و أغواني، بل هذا ” النبي ” هو الذي دعاني…. ثم واصل ” الساحر ” كلامه و ذكر ” لذلك واجب مقدس علينا في هذه المحنة أن نتبرع…” ابتسمت قهرا و قلت لقد تعرضت إلى خداع ثان و ما كان كل الذي جاب في خاطري مجدا و عزة و غبطة من وحي الذاكرة إلا سرابا…فما هذا الشاب مجرد دجال و متحيل مختلف عن الذين سبقوه شكلا و متنا…و انتظرت أن يسحب من جيبه دفترا ليجمع الغنيمة و يفرق وصلا و دعاء لمن يدفع لبناء مسجد…فتلك هي الحال منذ القدم في فضاء وسائل النقل و غيرها… إلا أن ذلك ” الساحر ” تقدم نحوي و حافظ على مسافة الأمان و فلسفة التباعد الاجتماعي، حملق في وجهي و كأن تقاسيمي قد فضحتني و هو ذلك ” النبي ” عند الصعود و بداية السرد…..و قال : أحبتي في الحياة و الوطن أجل مقدس أن نتبرع و خاصة زمن المحن، فلا عاش في تونس من خذلها، و لا عاش من لم يشد أزرها و ينصرها نصرة البار بالإنسانية و ما يذود به الإنسان لأخيه الإنسان….فلنتبرع بكرم إلى المستشفيات كل حسب قدرته، هذا بمعدات و آخر بتجهيزات و ثالث بمال و أحدنا بدينار عبر الإرساليات و ذلك أضعف الإيمان، فلنتبرع و لنكن جميعا سندا للكتيبة البيضاء قولا و فعلا….فلنتبرع إيمانا برسالة الطبيب و قسم أبيقراط و قدرة العلم فهو زورق النجاة….فلنتبرع فكل المساجد و الجوامع و الكنائس قد أوصدت أبوابها و سخرت كل ترنيماتها تضرعا للمخابر و الأمل في الحياة…. فلنتبرع فنحن أحفاد القصيدة، قصيدة ” إرادة الحياة “. فلنتبرع، فمن أنقذ نفسا فكأنما أنقذ الناس جميعا. فلنتبرع و وجهتنا الوحيدة، المستشفى و المخبر و الطبيب و ملاك الرحمة…و في خضم المعركة فلنكن سندا لبواسل الأمن عبر تيسير آداء واجبهم المقدس و ألا نبخل عن جار أو صديق في حاجة و ألا نبخس بضاعة ذلك الفلاح و أن نشارك عامل النظافة غبطة تبادل التحية تقديرا و احتراما و أن نجعله الشريك في الأعياد و الأفراح و ألا يعوزه شيئا…. فلنتجند و نتحد لننتصر للحياة و نحن أحفاد الإرادة و نكران الذات ” أحبك يا شعب “، و بعد المحنة و بلوغ شاطئ النجاة، و لنا كل العبرة، لنتجند بعدها للتبرع لصرح المدرسة، و العبرة بعد المحنة ” لا إمام سوى العقل “، لنستثمر جميعا في فلك المعرفة، فهو الحياة و طوق النجاة للفرد و كل المجتمع و الوطن… فلنتبرع للصرح العتي الذي لا يخذل عند الشدائد و المحن….فلنتبرع و ننتصر لمن ” يقرأ ” حتى لا يجد متحذلقا و نكرة من يحمله على الأعناق إلى سدة الحكم، و حتى لا يجد من يحكم في الفقر المعرفي هشيما للمحرقة و تعلة للتهرب من المسؤولية. فلنتجند و نتحد و نتبرع الآن للطبيب و غدا للمعلم، فكل الحروب القادمة ترسانتها ” إقرأ “.

 

 

بقلم كريم عجمي

اترك تعليقاً