التونسيون بالخارج …تونس أخرى

التونسيون بالخارج …تونس أخرى

يعيد إقتراب العطلة الصيفية التذكير يالتونسيين بالخارج و أن كان هذا التفكير يبقى للأسف موسميا و محدودا و هو ما يمثل في حد ذاته دليلا على أن الطبقة السياسية لم تدرك بعد أهمية هذه الشريحة الواسعة من الشعب التونسي و لم تنتقل من التفكير الظرفي و المناسباتي فيها إلى تفكير يتخذ بعدا استراتيجيا.

ليست المشاكل التي تثيرها العطلة الصيفية للتونسيين بالخارج إلا أحد أوجه التقصير الحكومي معهم . ذلك أن إرتفاع تكلفة السفر ألى تونس و ظروفه الصعبة ليست إلا جانبا من ملف لم يقع التعاطي معه بالجدية اللازمة رغم ما يمكن أن توفره عودة عشرات آلاف المهاجرين إلى أرض وطن من فرصة على المستويين الإنساني و الإقتصادي تفوق بما لا يقارن بمحاولة إقتناص بعض الأرباح من خلال الترفيع في تكلفة السفر.

و ما لا يدركه الكثيرون أن التونسيين المقيمين بالخارج يمثلون ما يقارب 12 بالمائة من مجموع الشعب التونسي و هو في حد ذاته رقم هام و تزداد أهميته حين نضيف إليه ما تزخر به هذه الشريحة الهامة عدديا من كفاءات و من طاقات لأن أغلبيتها الساحقة تساهم من مواقع متعددة في ما تعيشه مجتمعات القبول من تطور لافت في جميع المجالات و يكفي أن نستحضر هنا إسهام قطاعات واسعة من التونسيين و التونسيات في البحث العلمي و التدريس و الطب و ثورة الإتصالات في أشد المجتمعات تقدما . و هذه النزعة مرشحة لمزيد التطور في ضوء ما يتأكد من نتامي الطلب في فرنسا و ألمانيا على سبيل الذكر لا الحصر على الكفاءات الطبية و شبه الطبية و المختصة في الإعلامية من تونس هذا دون أن ننسى حاجة الجامعات الخليجية السنوية لعدد كبير من الأساتذة الجامعيين التونسيين .

ليس المجال مجال إستعراض الشواهد و الأمثلة على أننا نعيش مفارقة لافتة تتمثل في أن الأهمية المتنامية للتونسيين بالخارج تقابلها سياسة مرتبكة من الحكومة تكاد تصل حد اللامبالاة. و تبدو وضعية كتابة الدولة للهجرة أبلغ مثال على ما نقول. لقد تحول الإستبشار ببعثها الى إحباط بعد ان تأكد ان صراع النفوذ بينها و بين وزارة الشؤون الإجتماعية قد أفقدها كل قدرة على البرمجة و التنفيذ. و من مظاهر تهميش التونسيين بالخارج تجاهلهم في مستوى وزارة التربية الوطنية و يكفينا دليلا هنا أن نشير الى أن الجالية التونسية بفرنسا التي يقارب عددها المليون و نصف مليون نسمة تفتقر إلى مؤسسة تعليم تونسية مرتبطة بالبرامج الرسمية التونسية و هو ما يمثل ثغرة كبرى يتعين الإسراع بإصلاحها. و ليس الأمر متوقفا على التربية و التعليم فقط بل هناك أيضا ضعف لافت في تمكين التونسيين بالخارج من منتوج ثقافي من شأنه أن يعمق إرتباطهم بالوطن و يبعدهم عن كل أشكال الإنبتات و التطرف. و من بين التحولات الإيجابية التي تهملها ” تونس الرسمية ” عن “تونس الاخرى” التي تتشكل في الخارج تشكل شريحة هامة من رجال الأعمال و المستثمرين الذين لم يجدوا لحد الآن من يقيم جسور تواصل راسخة بينهم و بين عالم المال و الأعمال في تونس و هو ما يدعو الى التفكير في إفرادهم بإمتيازات جبائية تدفعم للإستثمار في تونس.

والحديث عن المال و الأعمال يدفعنا للحديث عن تحويلات التونسيين بالخارج الى أرض الوطن و التي تمثل واحدا من أهم موارنا من العملة الصعبة و لكن حجمها أخذ يتراجع و هو ما يدعو الى البحث عن الأسباب و معالجتها . و إذا كنا قد إنطلقنا في هذا المقال من النقل فإننا نختم به من خلال التأكيد على أنه لا سبيل إلى قبول طريقة التعامل الموسمية مع الخط البحري “مرسيليا-جرجيس” الذي لا بد من أن يتحول الى خط قار لأنه آداة ربط هامة بين أوروبا و إفريقيا و لأنه آداة من أدوات تنمية المناطق الحدودية التونسية التي نعتبر أنه من الضروري تحويلها على الجانبين الغربي و الجنوبي إلى معابر تنمية حقيقية و أنه من الضروري تشريك التونسيين في الخارج بوصفهم أحد أدوات التطلع الى “تونس أخرى” في هذا المسعى.

 

د.مختار زغدود

اترك تعليقاً