الأزمة أعمق من مجرد أزمة سيولة

الأزمة أعمق من مجرد أزمة سيولة

يعكس النظام المالي و البنكي من حيث هيكلته و درجة تطوره درجة النمو الإقتصادي و السياسي لمجتمع ما و ذلك بالنظر إلى قيمة المال و العملة في الاقتصاد . إن اليات انتاج الثروة و تداولها هي جوهر النشاط الإقتصادي سواء كان النشاط الطاغي هو الفلاحة او الصناعة او الخدمات.

و من هذا المنظور نقيّم وضع النظام المصرفي و المالي في بلادنا إنطلاقا من التصريحات التي أدلى بها محافظ البنك المركزي مروان العباسي مؤخرا و التي أطلق فيها صفارة الإنذار نتيجة أزمة السيولة الخطيرة التي تعيشها البنوك التونسية و التي قد تتفاقم في المستقبل إلى الحد الذي يمكن أن يعيق النظام البنكي التونسي عن الإضطلاع بالأدوار المنوطة به.

و أول ما يمكن الإنطلاق منه هو أن هذا التصريح يشير بوضوح إلى ضبابية الدور الذي يضطلع به البنك المركزي التونسي في السنوات الاخيرة. و من المفارقات أن الإستقلالية التي أصبح يتمتع بها أمام السلطة التنفيذية لم تحثه على إبداء فاعلية أكبر في الإضطلاع بدوره الرقابي و التعديلي بل تحول الى ما يشبه “غرفة التسجيل” و فضاء “التحليل ” لما يتعلق بالإقتصاد بشكل عام و النظام المصرفي و المالي بشكل خاص و هو ما يعني أن خللا في السياسات العامة هو الذي أوصل إلى هذا الوضع الخطير. الخلل يكمن في سلبية الحكومة و عدم قدرتها على وضع سياسات قادرة على مقاومة التضخم و على تجاوز توجه النفخ المبالغ فيه في الميزانية و رفع النفقات دون أن يعكس ذلك نموا إقتصاديا حقيقيا.

و هناك مفارقة أخرى تتمثل في أن تصريح محافظ البنك المركزي تزامن مع إعلان كل البنوك تقريبا عن تحقيق مرابيح هامة و هو ما يطرح لأول وهلة أكثر من سؤال . و من المفيد الإشارة هنا الى أن هذه المرابيح هي نتيجة لعمليات المضاربة التي تقوم بها البنوك من خلال إقراض الدولة و أيضا توظيف الأموال في مشاريع خارج المجال البنكي و المالي . و لا شك أن نقص السيولة يحيل إلى حجم الكتلة النقدية المتداولة خارج المسلك الرسمي و التي تعكس خللا إقتصاديا و ماليا و تخنق النظام البنكي التونسي و لا بد هنا من إتخاذ اجراءات شجاعة لجلب جانب من هذه الكتلة الى المسلك الرسمي و العلني و لا بد ايضا من تحفيز اكبر للتونسيين بالخارج حتى تتطور تحويلاتهم المالية الى تونس و من الضروري هنا اعادة النظر في اجراءات لجنة التحاليل المالية و من التشجيع على تحفيز الادخار و أيضا الإستثمار الوطني و الأجنبي و توجيه رسائل ثقة في هذا الإتجاه.

 

و من الضروري إعادة النظر في آليات و مضامين التفاوض مع صندوق النقد الدولي لأن وضعية البنوك التونسية ترتبط إلى حد كبير بالشروط التي يفرضها علينا و التي قد تفتح الباب لو وأصلنا “الخضوع” لها إلى وضع البنوك التونسية في المزاد و لا ننسى في هذا الصدد مفاوضات “الأليكا ” و خفاياها و قد تؤدي هذه المفاوضات إلى وضع قوى مالية أجنبية يدها على البنوك التونسية بأبخس الأثمان و ما نرجوه في هذا الصدد أن لا يكون أضعاف البنوك التونسية أمرا مقصودا لأمر يدبر بليل.

 

محمد صالح الجنادي

اترك تعليقاً